إمرئ القیس
إمرئ القــيس
هذه المعلقة هي الأولى في المعلقات و هي من أغنى الشعر الجاهلي و قد أولاها الأقدمون عناية بالغة ، و جعلها رواة المعلقات فاتحة كتبهم ، كما جعلها رواة الديوان القصيدة الأولى فيه ، و عني بها الدارسون المحدثون من عرب و مستشرقين ، فترجموها إلى عدة لغات أجنبية . و أما الشاعر امرؤ القيس فهو امرؤ القيسبن حُجْر بن الحارث من قبيلة كندة القحطانيّة ، ولد بنجد ، كان أبوه ملكاً من سلالة ملوك ، و ابن عمته عمرو بن هند ملك الحيرة ، و أمه فاطمة أخت مهلهل و كليب من سادة تغلب . ما كاد الشاعر يشب و يصلب عوده حتى انطلق لسانه بالشعر متأثراً بخاله مهلهل ، و كان يهوى التشبيب في شعره ، حتى قيل إنه شبّب بزوجة أبيه ، فما كان من أبيه إلا أن نهاه عن النسيب ثم طرده من كنفه حين لم ينته عن قول الشعر البذيْ ، فلحق الشاعر بعمه شرحبيل ، و إذا بابنة عمه فاطمة المعروفة بعنيزة ، تمد شاعريته و تخصبها حتى تكون المعلقة إحدى ثمار هذا المد . و قد كان حجر والد الشاعر ملكاً على بني أسد و غطفان و قد نقم أهلها عليه فقتلوه و أوصى رجلاً أن يخبر أولاده بمقتله ، و قد بلغ الخبر امرأ القيس و أقسم أن يثأرلأبيه ممن قتلوه . بلغ شعر امرىء القيس الذي وصل إلينا زهاء ألف بيت منجمة في مائة قطعة بين طويلة و قصيرة نجدها في ديوانه ، و من يستعرض هذا الديوان يجد فيه موضوعات كثيرة أبرزها الغزل ، و وصف الطبيعة و الظعائن ، ثم الشكوى و المدح و الهجاء و الرثاء إلى جانب الفخر و الطرد . منزلته الشعرية : أجمع الأقدمون على أن امرأ القيس واحد من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي و هم زهير و النابغة و الأعشى و امرؤ القيس و قد شهد له بالسبق نقاد و رواة و شعاء و بلغاء ، لأن خصائصه الفنية جعلته يفوق سواه . و أخيراً توفي امرؤ القيس في الطريق قريباً من أنقرة بقروح تشبه الجدري
|
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْ مَلِ
|
قَفَاَ نَبْكِ مِنْ ذِكُرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
|
|
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
|
فَتُوِضحَ فَاْلِمقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا
|
|
وقِيعانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
|
تَرى بَعَرَ الآرْآمِ فِي عَرَضَاتِها
|
|
لَدَى سَمُراتِ الَحْيِّ نَاقِف حَنْظَلِ
|
كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا
|
|
يقُولُونَ: لا تَهلِكْ أَسىً وَتَجَمَّلِ
|
وُقُوفاً بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
|
|
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
|
وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْراقَةٌ
|
|
وَجَارَتِها أُمِّ الرِّبابِ بِمَأْسَلِ
|
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحَوْ يرِثِ قَبْلَها
|
|
نَسِيمَ الْصِّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا الْقَرَنْفُلِ
|
إِذَا قَامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا
|
|
عَلى الْنَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي محْمَليِ
|
فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً
|
|
وَلا سِيمَّا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
|
أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ
|
|
فَيَا عَجَباً مِنْ كُورِهَا الُمتَحَمَّلِ
|
وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيِّتي
|
|
وَشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ الُمَفَّتلِ
|
فَظَلَّ الْعَذَارَى يَرْتِمَينَ بِلَحْمِهَا
|
|
فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلاتُ إِنَّكَ مُرْجِلي
|
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الْخِدْرِ خَدْرَ عُنَيْزَةٍ
|
|
عَقَرْتَ بَعيري يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
|
تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيط بِنَامَعاً
|
|
وَلا تُبْعِدِيني مِنْ جَنَاكِ اُلْمعَلَّلِ
|
فَقُلْتُ لَهَا سِيري وأرْخِي زِمَامَهُ
|
|
فَأَلهيْتُهَا عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
|
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ
|
|
بِشِقٍّ وَتحْتي شِقّها لم يُحَوَّلِ
|
إِذا ما بَكى مَنْ خَلْفِها انْصَرَفَتْ لهُ
|
|
عَليَّ وَآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
|
وَيَوْماً على ظَهْرِ الْكَثيبِ تَعَذَّرَتْ
|
|
وَإِن كنتِ قد أَزْمعْتِ صَرْمي فأَجْمِلي
|
أَفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلّلِ
|
|
وَأَنَّكِ مهما تأْمري الْقلبَ يَفْعَلِ
|
أغَرَّكِ منِّي أن حبَّكِ قاتِلي
|
|
فسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
|
وَإِنْ تَكُ قد ساء تك مِني خَليقةٌ
|
|
بِسَهْمَيْكِ في أَعْشارِ قلْبٍ مُقَتَّلِ
|
وَما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إِلا لِتضرِبي
|
|
تَمتَّعْتُ من لَهْوٍ بها غيرَ مُعجَلِ
|
وَبَيْضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
|
|
علّي حِراصاً لَوْ يسرُّونَ مقتَلي
|
تجاوَزتُ أَحْراساً إِلَيْها وَمَعْشراً
|
|
تَعَرُّضَ أَثْناءِ الْوِشاحِ الُمفَصَّلِ
|
إِذا ما الثّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْ
|
|
لدى السّترِ إِلا لِبْسَةَ الُمتَفَضِّلِ
|
فجِئْتُ وقد نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثيابَها
|
|
وَما إِنْ أَرى عنكَ الغَوايةَ تَنْجلي
|
فقالتْ: يَمينَ اللهِ مالكَ حِيلَةٌ
|
|
على أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
|
خَرَجْتُ بها أَمْشي تَجُرِّ وَراءنَا
|
|
بنا بطنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ
|
فلمَّا أَجَزْنا ساحَة الحيّ وَانْتَحَى
|
|
علّي هضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمَخْلخَلِ
|
هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رأْسِهاَ فَتمايَلَتْ
|
|
ترائبُها مَصْقولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
|
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غيرُ مُفاضَةٍ
|
|
غذاها نَميرُ الماءِ غيرُ الُمحَلّلِ
|
كَبَكْرِ الُمقاناةِ البَياضَ بَصُفْرَةٍ
|
|
بناظرَةٍ من وَحشِ وَجْرَةَ مُطَفِلِ
|
تصُدّ وَتُبْدي عن أَسيلٍ وَتَتَّقي
|
|
إِذا هيَ نَصَّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ
|
وجِيدٍ كجِيدِ الرّئْمِ ليْسَ بفاحشٍ
|
|
أَثِيثٍ كَقِنْوِ النّخلةِ الُمتَعَثْكِل
|
وَفَرْعٍ يَزينُ اَلمتنَ أَسْودَ فاحِمٍ
|
|
تَضِلّ العِقاصُ في مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
|
غدائِرُه مُسْتَشْزِراتٌ إِلى العُلا
|
|
وَسآَقٍ كاْنبوبِ السَّقيّ الُمذَلَّلِ
|
وكَشْحٍ لطيفٍ كالجديل مُخَصَّرٍ
|
|
نؤُومَ الضُّحى لم تَنْتُطِقْ عن تفضُّل
|
وتضحي فتيتُ المِسكِ فوقَ فراشها
|
|
أَساريعُ ظْبيٍ أوْ مساويكُ إِسْحِلِ
|
وَتَعْطو برَخْصٍ غيرِ شَئْن كأنهُ
|
|
مَنارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
|
تُضيءُ الظَّلامَ بالعِشاءِ كأَنَّها
|
|
إِذا ما اسبَكَرَّتْ بينَ درْعٍ ومجْوَلِ
|
إِلى مِثْلِها يَرْنو الَحليمُ صَبابَةَ
|
|
وليسَ فُؤَادي عن هواكِ بُمنْسَلِ
|
تَسَلَّتْ عَماياتُ الرِّجالِ عَنِ الصِّسبا
|
|
نصيحٍ على تَعذا لهِ غيرِ مُؤتَلِ
|
أَلا رُبَّ خصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُه
|
|
عليَّ بأَنْواعِ الُهمُومِ ليبْتَلي
|
وَليلٍ كمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدو لَهُ
|
|
وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَناءَ بكَلْكَلِ
|
فَقلْتُ لَهُ لَّما تَمَطَّى بصُلْبِهِ
|
|
بصُبْحٍ وما الإِصْباحُ مِنكَ بأَمْثَل
|
أَلا أَيُّها الَّليْلُ الطَّويلُ أَلا انْجَلي
|
|
بأَمْراسِ كتَّانٍ إِلى صُمِّ جندَلِ
|
فيا لكَ مِن لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُ
|
|
على كاهِلٍ منِّي ذَلُولٍ مُرَحَّل
|
وَقِرْبَةِ أَقْوامٍ جَعَلْتُ عِصَامَها
|
|
بهِ الذئبُ يَعوي كالَخليعِ الُمعَيَّلِ
|
وَوَادٍ كجَوْفِ الْعَيرِ قَفْرٍ قطعْتُهُ
|
|
قليلُ ألْغِنى إِنْ كنتَ لَّما تَموَّلِ
|
فقُلتُ لهُ لما عَوى: إِنَّ شأْنَنا
|
|
وَمَنْ يْحترِث حَرْثي وحَرْثَك يهزِل
|
كِلانا إِذا ما نالَ شَيْئاً أَفاتَهُ
|
|
بُمنْجَرِدٍ قَيْدِ الاوابِدِ هيْكلِ
|
وَقَدْ أَغْتَدي والطَّيُر في وُكُناتِها
|
|
كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيْل من عَلِ
|
مِكَر مِفَرِّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً
|
|
كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالُمَتَنِّزلِ
|
كُمَيْتٍ يَزِل الّلبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ
|
|
إِذا جاشَ فيهِ حميُهُ غَليُ مِرْجَلِ
|
على الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهتزامَهُ
|
|
أَثَرْنَ الْغُبارَ بالكَديدِ المرَكلِ
|
مِسَحِّ إِذا ما السَّابحاتُ على الوَنَى
|
|
وَيُلْوي بأَثَوابِ الْعَنيفِ الُمثَقَّلِ
|
يَزِلّ الْغُلامَ الخِفُّ عَنْ صَهَواتِهِ
|
|
تَتابُعُ كفّيْهِ بخيْطٍ مُوَصَّلِ
|
دَريرٍ كَخُذْروفِ الْوَليدِ أمَرَّهُ
|
|
وَإِرْخاءُ سِرحانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
|
لَهُ أَيْطَلا ظَبْي وسَاقا نَعامةٍ
|
|
بضاف فُوَيْقَ الأَرْض ليس بأَعزَلِ
|
ضليعٍ إِذا استَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ
|
|
مَدَاكَ عَروسٍ أَوْ صَلايَةَ حنظلِ
|
كأنَّ على الَمتْنَينِ منهُ إِذا انْتَحَى
|
|
عُصارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ
|
كأنَّ دِماءَ الهادِياتِ بِنَحْرِهِ
|
|
عَذارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيّلِ
|
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَهُ
|
|
بِجِيدِ مُعَمِّ في الْعَشيرةِ مُخْوَلِ
|
فأَدْبَرْنَ كالجِزْعِ المَفصَّل بَيْنَهُ
|
|
جَواحِرُها في صَرَّةٍ لم تُزَيَّلِ
|
فأَلحَقَنا بالهادِياتِ ودُونَهُ
|
|
درَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِماءٍ فَيُغْسَلِ
|
فَعادى عِداءً بَيْنَ ثوْرٍ وَنَعْجَةٍ
|
|
صَفِيفَ شِواءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
|
فظَلَّ طُهاةُ اللّحْم من بَيْنِ مُنْضجِ
|
|
مَتَى مَا تَرَقَّ الْعَيْنُ فيهِ تَسَفّلِ
|
وَرُحْنَا يَكادُ الطّرْفُ يَقْصُر دُونَهُ
|
|
وباتَ بِعَيْني قائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
|
فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلِجامُهُ
|
|
كَلمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبيِّ مُكلّلِ
|
أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ
|
|
أَمَالَ السَّلِيطَ بالذُّبَالِ الُمُفَتَّلِ
|
يضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ راهِبٍ
|
|
وَبَيْنَ الْعُذَيْبِ بَعْدَ مَا مُتَأَمَّلي
|
قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بَيْنَ ضَارِجٍ
|
|
وَأَيْسَرُهُ على الْسِّتَارِ فَيُذْبُلِ
|
على قَطَن بالشَّيْم أيْمنُ صَوْتهِ
|
|
يَكُبُّ على الأذْقانِ دَوْجَ الكَنَهْبَلِ
|
فَأَضْحَى يَسُحُّ الْماءَ حوْلَ كُتَفْيَهٍ
|
|
فَأَنْزَلَ منْه العُصْمَ من كلّ منزِلِ
|
وَمَرَّ على الْقَنّانِ مِنْ نَفَيَانِهِ
|
|
وَلا أُطُماً إِلا مَشِيداً بِجَنْدَلِ
|
وَتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بها جِذْعَ نَخْلَةٍ
|
|
كَبيرُ أْنَاسٍ فِي بِجَاد مُزَمَّلِ
|
كَأَنَّ ثَبيراً فِي عَرانِينِ وَبْلهِ
|
|
من السَّيْلِ وَالأَغْثَاءِ فَلْكَهُ مِغْزلِ
|
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ الُمجَيْمِرِ غُدْوَةً
|
|
نزُولَ اليماني ذي العِيابِ المحمَّلِ
|
وَألْقَى بصَحراءِ الْغَبيطِ بَعاعَهُ
|
|
صُبِحْنَ سُلافاً من رَحيقٍ مُفَلْفَلِ
|
كَأَنَّ مَكاكّي الجِواءِ غُدَيَّةً
|
القــيس
هذه المعلقة هي الأولى في المعلقات و هي من أغنى الشعر الجاهلي و قد أولاها الأقدمون عناية بالغة ، و جعلها رواة المعلقات فاتحة كتبهم ، كما جعلها رواة الديوان القصيدة الأولى فيه ، و عني بها الدارسون المحدثون من عرب و مستشرقين ، فترجموها إلى عدة لغات أجنبية . و أما الشاعر امرؤ القيس فهو امرؤ القيسبن حُجْر بن الحارث من قبيلة كندة القحطانيّة ، ولد بنجد ، كان أبوه ملكاً من سلالة ملوك ، و ابن عمته عمرو بن هند ملك الحيرة ، و أمه فاطمة أخت مهلهل و كليب من سادة تغلب . ما كاد الشاعر يشب و يصلب عوده حتى انطلق لسانه بالشعر متأثراً بخاله مهلهل ، و كان يهوى التشبيب في شعره ، حتى قيل إنه شبّب بزوجة أبيه ، فما كان من أبيه إلا أن نهاه عن النسيب ثم طرده من كنفه حين لم ينته عن قول الشعر البذيْ ، فلحق الشاعر بعمه شرحبيل ، و إذا بابنة عمه فاطمة المعروفة بعنيزة ، تمد شاعريته و تخصبها حتى تكون المعلقة إحدى ثمار هذا المد . و قد كان حجر والد الشاعر ملكاً على بني أسد و غطفان و قد نقم أهلها عليه فقتلوه و أوصى رجلاً أن يخبر أولاده بمقتله ، و قد بلغ الخبر امرأ القيس و أقسم أن يثأرلأبيه ممن قتلوه . بلغ شعر امرىء القيس الذي وصل إلينا زهاء ألف بيت منجمة في مائة قطعة بين طويلة و قصيرة نجدها في ديوانه ، و من يستعرض هذا الديوان يجد فيه موضوعات كثيرة أبرزها الغزل ، و وصف الطبيعة و الظعائن ، ثم الشكوى و المدح و الهجاء و الرثاء إلى جانب الفخر و الطرد . منزلته الشعرية : أجمع الأقدمون على أن امرأ القيس واحد من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي و هم زهير و النابغة و الأعشى و امرؤ القيس و قد شهد له بالسبق نقاد و رواة و شعاء و بلغاء ، لأن خصائصه الفنية جعلته يفوق سواه . و أخيراً توفي امرؤ القيس في الطريق قريباً من أنقرة بقروح تشبه الجدري
|
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْ مَلِ
|
قَفَاَ نَبْكِ مِنْ ذِكُرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
|
|
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
|
فَتُوِضحَ فَاْلِمقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا
|
|
وقِيعانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
|
تَرى بَعَرَ الآرْآمِ فِي عَرَضَاتِها
|
|
لَدَى سَمُراتِ الَحْيِّ نَاقِف حَنْظَلِ
|
كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا
|
|
يقُولُونَ: لا تَهلِكْ أَسىً وَتَجَمَّلِ
|
وُقُوفاً بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
|
|
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
|
وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْراقَةٌ
|
|
وَجَارَتِها أُمِّ الرِّبابِ بِمَأْسَلِ
|
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحَوْ يرِثِ قَبْلَها
|
|
نَسِيمَ الْصِّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا الْقَرَنْفُلِ
|
إِذَا قَامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا
|
|
عَلى الْنَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي محْمَليِ
|
فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً
|
|
وَلا سِيمَّا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
|
أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ
|
|
فَيَا عَجَباً مِنْ كُورِهَا الُمتَحَمَّلِ
|
وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيِّتي
|
|
وَشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ الُمَفَّتلِ
|
فَظَلَّ الْعَذَارَى يَرْتِمَينَ بِلَحْمِهَا
|
|
فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلاتُ إِنَّكَ مُرْجِلي
|
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الْخِدْرِ خَدْرَ عُنَيْزَةٍ
|
|
عَقَرْتَ بَعيري يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
|
تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيط بِنَامَعاً
|
|
وَلا تُبْعِدِيني مِنْ جَنَاكِ اُلْمعَلَّلِ
|
فَقُلْتُ لَهَا سِيري وأرْخِي زِمَامَهُ
|
|
فَأَلهيْتُهَا عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
|
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ
|
|
بِشِقٍّ وَتحْتي شِقّها لم يُحَوَّلِ
|
إِذا ما بَكى مَنْ خَلْفِها انْصَرَفَتْ لهُ
|
|
عَليَّ وَآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
|
وَيَوْماً على ظَهْرِ الْكَثيبِ تَعَذَّرَتْ
|
|
وَإِن كنتِ قد أَزْمعْتِ صَرْمي فأَجْمِلي
|
أَفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلّلِ
|
|
وَأَنَّكِ مهما تأْمري الْقلبَ يَفْعَلِ
|
أغَرَّكِ منِّي أن حبَّكِ قاتِلي
|
|
فسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
|
وَإِنْ تَكُ قد ساء تك مِني خَليقةٌ
|
|
بِسَهْمَيْكِ في أَعْشارِ قلْبٍ مُقَتَّلِ
|
وَما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إِلا لِتضرِبي
|
|
تَمتَّعْتُ من لَهْوٍ بها غيرَ مُعجَلِ
|
وَبَيْضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
|
|
علّي حِراصاً لَوْ يسرُّونَ مقتَلي
|
تجاوَزتُ أَحْراساً إِلَيْها وَمَعْشراً
|
|
تَعَرُّضَ أَثْناءِ الْوِشاحِ الُمفَصَّلِ
|
إِذا ما الثّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْ
|
|
لدى السّترِ إِلا لِبْسَةَ الُمتَفَضِّلِ
|
فجِئْتُ وقد نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثيابَها
|
|
وَما إِنْ أَرى عنكَ الغَوايةَ تَنْجلي
|
فقالتْ: يَمينَ اللهِ مالكَ حِيلَةٌ
|
|
على أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
|
خَرَجْتُ بها أَمْشي تَجُرِّ وَراءنَا
|
|
بنا بطنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ
|
فلمَّا أَجَزْنا ساحَة الحيّ وَانْتَحَى
|
|
علّي هضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمَخْلخَلِ
|
هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رأْسِهاَ فَتمايَلَتْ
|
|
ترائبُها مَصْقولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
|
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غيرُ مُفاضَةٍ
|
|
غذاها نَميرُ الماءِ غيرُ الُمحَلّلِ
|
كَبَكْرِ الُمقاناةِ البَياضَ بَصُفْرَةٍ
|
|
بناظرَةٍ من وَحشِ وَجْرَةَ مُطَفِلِ
|
تصُدّ وَتُبْدي عن أَسيلٍ وَتَتَّقي
|
|
إِذا هيَ نَصَّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ
|
وجِيدٍ كجِيدِ الرّئْمِ ليْسَ بفاحشٍ
|
|
أَثِيثٍ كَقِنْوِ النّخلةِ الُمتَعَثْكِل
|
وَفَرْعٍ يَزينُ اَلمتنَ أَسْودَ فاحِمٍ
|
|
تَضِلّ العِقاصُ في مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
|
غدائِرُه مُسْتَشْزِراتٌ إِلى العُلا
|
|
وَسآَقٍ كاْنبوبِ السَّقيّ الُمذَلَّلِ
|
وكَشْحٍ لطيفٍ كالجديل مُخَصَّرٍ
|
|
نؤُومَ الضُّحى لم تَنْتُطِقْ عن تفضُّل
|
وتضحي فتيتُ المِسكِ فوقَ فراشها
|
|
أَساريعُ ظْبيٍ أوْ مساويكُ إِسْحِلِ
|
وَتَعْطو برَخْصٍ غيرِ شَئْن كأنهُ
|
|
مَنارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
|
تُضيءُ الظَّلامَ بالعِشاءِ كأَنَّها
|
|
إِذا ما اسبَكَرَّتْ بينَ درْعٍ ومجْوَلِ
|
إِلى مِثْلِها يَرْنو الَحليمُ صَبابَةَ
|
|
وليسَ فُؤَادي عن هواكِ بُمنْسَلِ
|
تَسَلَّتْ عَماياتُ الرِّجالِ عَنِ الصِّسبا
|
|
نصيحٍ على تَعذا لهِ غيرِ مُؤتَلِ
|
أَلا رُبَّ خصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُه
|
|
عليَّ بأَنْواعِ الُهمُومِ ليبْتَلي
|
وَليلٍ كمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدو لَهُ
|
|
وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَناءَ بكَلْكَلِ
|
فَقلْتُ لَهُ لَّما تَمَطَّى بصُلْبِهِ
|
|
بصُبْحٍ وما الإِصْباحُ مِنكَ بأَمْثَل
|
أَلا أَيُّها الَّليْلُ الطَّويلُ أَلا انْجَلي
|
|
بأَمْراسِ كتَّانٍ إِلى صُمِّ جندَلِ
|
فيا لكَ مِن لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُ
|
|
على كاهِلٍ منِّي ذَلُولٍ مُرَحَّل
|
وَقِرْبَةِ أَقْوامٍ جَعَلْتُ عِصَامَها
|
|
بهِ الذئبُ يَعوي كالَخليعِ الُمعَيَّلِ
|
وَوَادٍ كجَوْفِ الْعَيرِ قَفْرٍ قطعْتُهُ
|
|
قليلُ ألْغِنى إِنْ كنتَ لَّما تَموَّلِ
|
فقُلتُ لهُ لما عَوى: إِنَّ شأْنَنا
|
|
وَمَنْ يْحترِث حَرْثي وحَرْثَك يهزِل
|
كِلانا إِذا ما نالَ شَيْئاً أَفاتَهُ
|
|
بُمنْجَرِدٍ قَيْدِ الاوابِدِ هيْكلِ
|
وَقَدْ أَغْتَدي والطَّيُر في وُكُناتِها
|
|
كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيْل من عَلِ
|
مِكَر مِفَرِّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً
|
|
كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالُمَتَنِّزلِ
|
كُمَيْتٍ يَزِل الّلبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ
|
|
إِذا جاشَ فيهِ حميُهُ غَليُ مِرْجَلِ
|
على الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهتزامَهُ
|
|
أَثَرْنَ الْغُبارَ بالكَديدِ المرَكلِ
|
مِسَحِّ إِذا ما السَّابحاتُ على الوَنَى
|
|
وَيُلْوي بأَثَوابِ الْعَنيفِ الُمثَقَّلِ
|
يَزِلّ الْغُلامَ الخِفُّ عَنْ صَهَواتِهِ
|
|
تَتابُعُ كفّيْهِ بخيْطٍ مُوَصَّلِ
|
دَريرٍ كَخُذْروفِ الْوَليدِ أمَرَّهُ
|
|
وَإِرْخاءُ سِرحانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
|
لَهُ أَيْطَلا ظَبْي وسَاقا نَعامةٍ
|
|
بضاف فُوَيْقَ الأَرْض ليس بأَعزَلِ
|
ضليعٍ إِذا استَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ
|
|
مَدَاكَ عَروسٍ أَوْ صَلايَةَ حنظلِ
|
كأنَّ على الَمتْنَينِ منهُ إِذا انْتَحَى
|
|
عُصارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ
|
كأنَّ دِماءَ الهادِياتِ بِنَحْرِهِ
|
|
عَذارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيّلِ
|
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَهُ
|
|
بِجِيدِ مُعَمِّ في الْعَشيرةِ مُخْوَلِ
|
فأَدْبَرْنَ كالجِزْعِ المَفصَّل بَيْنَهُ
|
|
جَواحِرُها في صَرَّةٍ لم تُزَيَّلِ
|
فأَلحَقَنا بالهادِياتِ ودُونَهُ
|
|
درَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِماءٍ فَيُغْسَلِ
|
فَعادى عِداءً بَيْنَ ثوْرٍ وَنَعْجَةٍ
|
|
صَفِيفَ شِواءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
|
فظَلَّ طُهاةُ اللّحْم من بَيْنِ مُنْضجِ
|
|
مَتَى مَا تَرَقَّ الْعَيْنُ فيهِ تَسَفّلِ
|
وَرُحْنَا يَكادُ الطّرْفُ يَقْصُر دُونَهُ
|
|
وباتَ بِعَيْني قائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
|
فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلِجامُهُ
|
|
كَلمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبيِّ مُكلّلِ
|
أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ
|
|
أَمَالَ السَّلِيطَ بالذُّبَالِ الُمُفَتَّلِ
|
يضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ راهِبٍ
|
|
وَبَيْنَ الْعُذَيْبِ بَعْدَ مَا مُتَأَمَّلي
|
قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بَيْنَ ضَارِجٍ
|
|
وَأَيْسَرُهُ على الْسِّتَارِ فَيُذْبُلِ
|
على قَطَن بالشَّيْم أيْمنُ صَوْتهِ
|
|
يَكُبُّ على الأذْقانِ دَوْجَ الكَنَهْبَلِ
|
فَأَضْحَى يَسُحُّ الْماءَ حوْلَ كُتَفْيَهٍ
|
|
فَأَنْزَلَ منْه العُصْمَ من كلّ منزِلِ
|
وَمَرَّ على الْقَنّانِ مِنْ نَفَيَانِهِ
|
|
وَلا أُطُماً إِلا مَشِيداً بِجَنْدَلِ
|
وَتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بها جِذْعَ نَخْلَةٍ
|
|
كَبيرُ أْنَاسٍ فِي بِجَاد مُزَمَّلِ
|
كَأَنَّ ثَبيراً فِي عَرانِينِ وَبْلهِ
|
|
من السَّيْلِ وَالأَغْثَاءِ فَلْكَهُ مِغْزلِ
|
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ الُمجَيْمِرِ غُدْوَةً
|
|
نزُولَ اليماني ذي العِيابِ المحمَّلِ
|
وَألْقَى بصَحراءِ الْغَبيطِ بَعاعَهُ
|
|
صُبِحْنَ سُلافاً من رَحيقٍ مُفَلْفَلِ
|
كَأَنَّ مَكاكّي الجِواءِ غُدَيَّةً
|